الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
146
نفحات القرآن
7 - الهجرة والجهاد الهجرة بمعنى الابتعاد عن بؤرة الكفر والشرك والظلم والمعاصي ، وتكون في كثير من الموارد السبيل الوحيد لخلاص المؤمنين والصالحين وانقاذهم من معاناتهم ، فهم يبتعدون عن أجواء محيطهم الملوث ليعملوا على بناء أنفسهم وإعدادها من أجل تعبئة كافة إمكاناتهم وطاقاتهم للهجوم على أعداء اللَّه من كافرين ومشركين وظلمة ، ولقد هاجر المسلمون مرّتين في عصر صدر الإسلام ، الهجرة الأولى ( هجرة الحبشة ) وهي هجرة خاصة حيث هاجرت مجموعة من المسلمين من مكة إلى الحبشة ، والهجرة الثانية ( هجرة عامة ) من مكة إلى المدينة وتعتبر هذه الهجرة بداية فصل جديد في تاريخ الإسلام ، ومن البديهي أن ترك المنازل والممتلكات والأهل والأقارب والأصدقاء والوطن الذي نشأ فيه المرء وترعرع فيه أمر عسير للغاية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، مواجهة المشاكل لغرض الاعداد للجهاد والهجوم على مواطن الكفر والفساد ، لذا فإنّ القرآن الكريم وعد المهاجرين بأعظم الدرجات وبشرهم برحمته ورضاه : « وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ » . وقال تعالى : « الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ » . « 1 » ( التوبة / 20 - 21 ) تتحدث الآيتان الكريمتان عن ثلاث صفات ( الإيمان ، الهجرة ، الجهاد ) طبعاً أنّ كل واحدة من هذه الصفات ترتبط مع الأخرى برابطة العلة والمعلول فكان إيمانهم هو السبب في هجرتهم وهجرتهم مقدمة لجهادهم وجعل اللَّه سبحانه وتعالى جزاءهم ثلاثة أمور هي ( الرحمة الإلهيّة ) و ( الرضوان ) و ( جنات النعيم ) وبهذا فقد جعل اللَّه سبحانه وتعالى مقابل كل صفة اجراً عظيماً ، فالإيمان يستوجب مغفرة الذنوب والهجرة تستوجب جلب الرضوان الإلهي والجهاد بالأموال والأنفس هو السبب في دخلوهم جنات النعيم . روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال : « بينما شيبة والعباس يتفاخران إذ مرّ عليهما
--> ( 1 ) . لقد ورد هذا المعنى في الآية 100 من سورة التوبة .